إدارة المخاطر

تقدّم مقاولك بطلب التسوية الوقائية، وشرط الإنهاء الذي تعوّل عليه باطل بحكم النظام.

16 أغسطس 2026·8 دقائق قراءة·م. خالد الحوراني·Read in English

بلغت طلبات الإفلاس في المملكة 141 طلباً خلال الربع الأول من عام 2026، في مقابل 74 طلباً في الربع المماثل من العام السابق. واستأثر قطاعا التجزئة والإنشاءات بما يقارب ثلثي هذا العدد. وقد تتابعت الإعلانات الشهرية طوال الصيف، ولا تزال منشآت التجارة والمقاولات أكبر المجموعات دخولاً في إجراء التسوية الوقائية.

يُقرأ هذا الرقم من الخارج على أنه شأن يخص منشآت متعثرة. أما من الموقع الذي يقف فيه أكثر عملائنا، فهو شأن يخص الأطراف المتعاقدة. فخلف كل مقاول يتقدم بالطلب مالكُ مشروع يحمل دفعات مقدمة، ومقاول باطن تراكمت لديه أعمال لم تُصرف مستخلصاتها، وسلسلة من المورّدين منحوا ائتماناً استناداً إلى اسم لا إلى قائمة مركز مالي.

وقد كُتب أكثر ما كُتب عن نظام الإفلاس من زاوية المدين: أي الإجراءات يختار، وما المهلة التي يتيحها له، وكيف يُعدّ مقترحه. وهذه هي الفئة الأصغر بفارق كبير. أما الفئة الأكبر فهي سائر أطراف العقد، وللنظام في شأنهم أحكام غير قليلة، أكثرها على خلاف ما يتوقعون.

الشرط الذي تعوّل عليه باطل

ابدأ بما تنصرف إليه البديهة. يدخل الطرف الآخر في إجراء من إجراءات الإفلاس، فتُراجع العقد باحثاً عن الشرط الذي يخوّلك إنهاءه عند التعثر أو يجعل ما لك من مستحقات حالّ الأداء. ويكاد لا يخلو عقد إنشاءات أو توريد في السوق من مثل هذا الشرط.

غير أن هذا الشرط لا يُنتج أثراً في التسوية الوقائية. فقد نصت المادة 22 من نظام الإفلاس على أنه لا يترتب على قيد طلب افتتاح الإجراء ولا على افتتاحه حلولُ آجال الديون غير الحالّة، وأن كل شرط يقضي بخلاف ذلك يقع باطلاً. ومضت المادة 23 إلى أبعد من ذلك، فقررت ألا أثر لافتتاح الإجراء في أي عقد يكون المدين طرفاً فيه، وأبطلت كذلك كل شرط مخالف. فشرط التعجيل وشرط الإنهاء عند التعثر قد أسقطهما النظام من عقدك.

وحلّ محلّهما التزام. فبمقتضى المادة 24 تبقى العقود سارية، ويلتزم الطرف الآخر بتنفيذ ما عليه، ما دام المدين موفياً بالالتزامات الناشئة بعد افتتاح الإجراء. أما ما تخلّف المدين عن أدائه قبل الافتتاح فمحلّه قائمة المطالبات. وأما ما يستحق بعده فيجب أداؤه في مواعيده.

ومؤدى ذلك أن موقفك صبيحة افتتاح الإجراء هو على العكس مما يفترضه أكثر مديري العقود. فأنت لا تملك الانصراف، بل عليك أن تستمر في التوريد والتنفيذ وتشغيل الموقع. وقد تحوّل تعرضك السابق على الافتتاح إلى مطالبة يقع عليك عبء إثباتها. ولا يبقى لك من مخرج سليم إلا ما نصت عليه الفقرة (2) من المادة 24: إذا تخلّف المدين عن الوفاء بالتزاماته اللاحقة للافتتاح، جاز لك أن تطلب من المحكمة إنهاء العقد وإبراء ذمتك مما عليك. ويحسن التنبه إلى موضع هذا الحق: فهو طلب يُرفع إلى المحكمة، لا خطاب يصدر عن إدارتك القانونية.

أربعة عشر يوماً تبدأ من إعلان لا يبلغك

وهنا موضع الخسارة الحقيقية للدائنين، وهو موضع إجرائي لا يحتاج إلى براعة.

يتضمن مقترح المدين قائمة بالديون، والمدين هو من يُعدّ هذه القائمة. فإن وردت مطالبتك فيها بمقدارها الصحيح كنت داخل الإجراء. وإن أُغفلت، أو قُيّدت بأقل من قيمتها، أو نُسبت إلى كيان غير الكيان الصحيح في مجموعتك، فقد أعطتك الفقرة (2) من المادة 33 من اللائحة التنفيذية مهلة 14 يوماً من تاريخ إعلان المدين افتتاح الإجراء لتتقدم إلى المحكمة بطلب إدراجها.

وأربعة عشر يوماً مدة قصيرة. غير أن الإشكال الأصعب في مبدأ سريانها، إذ تسري من تاريخ إعلان المدين، وهو إعلان يُنشر وفق الفقرة (2) من المادة 16 خلال 7 أيام من الافتتاح. والإعلان ليس خطاباً موجهاً إليك. فإذا لم يكن في المنشأة من يتابع سجل الإفلاس، فقد يكون أول علمك بالأمر ملاحظةً عابرة من زميل بأن أحد المورّدين انقطع خبره.

وليس ما تبقى من المواعيد بأرحم. فبمقتضى الفقرة (1) من المادة 16 تحدد المحكمة موعد تصويت الدائنين خلال 40 يوماً من الافتتاح، ولها أن تحدد موعداً لاحقاً خلال مدة إضافية لا تتجاوز 40 يوماً. فالمسافة بين تقديم الطلب والتصويت الذي يُلزمك قد تنقضي في أقل من شهرين.

واسأل منشأتك سؤالاً عملياً: لو تقدّم ثاني أكبر مقاولي الباطن لديك بالطلب يوم الأحد، فمن في المنشأة سيعلم بذلك قبل الخميس؟ وهل يستطيع أن يُخرج العقد، وسجل المدفوعات، وموقف المبالغ المحتجزة، والضمانات القائمة، ورقماً قابلاً للدفاع عنه لما هو مستحق لكم؟ فإن كان الجواب الصادق أن تجميع ذلك يستغرق أسبوعين، فقد فاتت المهلة قبل أن تبدأ.

الامتناع عن التصويت موقف لا حياد فيه

يتعامل الدائنون مع التصويت بوصفه شكلاً إجرائياً متى بدت النتيجة محسومة. وحساب النظام يقول غير ذلك.

فبمقتضى الفقرة (2) من المادة 31 يُعدّ المقترح مقبولاً إذا وافقت عليه كل فئة من فئات الدائنين، وتُعدّ الفئة موافقةً إذا أيّده دائنون تمثل مطالباتهم ثلثي قيمة الديون المستحقة للمصوّتين في الفئة ذاتها. فالمقام في هذه النسبة هو من حضر التصويت، لا من وُجد من الدائنين.

ولهذا أثر يستحق التأمل. فالامتناع عن التصويت لا يترك النتيجة على حالها، وإنما يُضيّق القاعدة التي يُقاس عليها الثلثان، فيُيسّر إقرار المقترح لمن صوّت. والدائن الذي يبقى خارج الإجراء لصغر دينه، أو لأن الملف أُحيل إلى موظف في إجازة، لم يقف موقفاً محايداً، بل أسهم في إجازة المقترح.

وللحكم نفسه شقّ ثانٍ يكافئ من يُحسن القراءة: إذ يجب أن تضم الفئة الموافقة دائنين تمثل مطالباتهم أكثر من نصف قيمة الديون المستحقة لغير الأطراف ذوي العلاقة. فمتى بدا أن المقترح يستند إلى ديون أطراف ذوي علاقة ليجتاز النصاب، فهذه هي العبارة التي ينبغي الوقوف عندها.

ما الذي يمنعه تعليق المطالبات فعلاً

تعليق المطالبات أكثر أجزاء الإطار عرضةً لسوء الفهم، في الاتجاهين معاً.

فهو في التسوية الوقائية ليس تلقائياً. إذ يتعين على المدين بمقتضى المادة 17 أن يطلبه، وأن يرفق بطلبه تقريراً من أمين مرخص يتضمن ترجيحه قبول أغلبية الدائنين للمقترح وإمكانية تنفيذه. ثم حدّت المادة 18 ما تملك المحكمة منحه: مدة لا تزيد على 90 يوماً ابتداءً، قابلة للتمديد ثلاثين يوماً لمرة أو أكثر، على ألا يتجاوز مجموعها 180 يوماً. ويختلف هذا عن إجراء إعادة التنظيم المالي، حيث ترتّب المادة 46 تعليقاً للمطالبات مدته 180 يوماً على الطلب نفسه، قابلاً للتمديد بمدة مماثلة. فأيّ الإجراءين اختاره الطرف الآخر يغيّر موقفك تغييراً جوهرياً، وكثيراً ما يُتحدث عنهما وكأنهما شيء واحد.

ومتى سرى تعليق المطالبات كان نطاق المادة 20 أوسع مما يقدّره أكثر الدائنين. فهو يوقف الدعاوى والإجراءات في مواجهة المدين وأصوله. ويوقف التنفيذ على الأصول المقدمة ضماناً إلا بموافقة المحكمة. ويوقف كذلك أي إجراء أو تصرف تجاه الكفيل الشخصي للدين، إلا بموافقة المحكمة.

ويستحق هذا الأخير وقفة، لأن كفالة الشركة الأم أو الكفالة الشخصية هي تحديداً الأداة التي تعوّل عليها إدارات الائتمان حين يبدأ الطرف الآخر في التعثر. فهي في أثناء تعليق المطالبات ليست متاحة لك ببساطة. وقد بيّنت المادة 21 الحالتين الضيقتين اللتين تأذن فيهما المحكمة للدائن المضمون بالتنفيذ، وهما تدوران على أثر التنفيذ في استمرار نشاط المدين وعلى الموازنة بين الضرر اللاحق بالدائن المضمون والضرر اللاحق بالمدين وسائر الدائنين. فهذه حجة تُعدّ ويُقام عليها الدليل، لا حق يُمارس.

العمل الحقيقي يسبق تقديم الطلب

ولا شيء مما تقدّم هو موضع استرداد القيمة للدائن. فمتى افتُتح الإجراء صارت النتيجة رهناً بما تستطيع إثباته وبالسرعة التي تثبته بها، وكلاهما تحدد قبل ذلك بأشهر.

والمؤشرات تسبق الإعلان بوقت طويل، وهي مؤشرات تشغيلية قبل أن تكون مالية. فسلوك السداد يتغير أولاً: دفعات جزئية، ودورات اعتماد أطول، ومنازعات تُثار حول مستخلصات لم تكن محلّ اعتراض من قبل. ثم تبدأ سلسلة إمداد المقاول نفسها في الحركة، فيتبدل مقاولو الباطن في الموقع، وتُردّ المعدات المستأجرة قبل أوان انتهاء عقودها، ويمتنع صغار المورّدين عن التوريد ما لم يُسدَّد لهم مقدماً. ويتباطأ الإنجاز على نحو لا تلتقطه نسبة الإنجاز المعلنة. وقد وجدنا في عملنا أن هذه المؤشرات ظاهرة لمن هم في الموقع قبل ربع أو ربعين من ظهور أي شيء في السجلات، وقلّما تصل إلى لجنة الائتمان، لأن أحداً لم يُكلَّف بنقلها.

وأربعة أمور يحسن أن تكون قائمة قبل الحاجة إليها.

جهة تتابع السجل. بشخص محدد وبديل له، تغطي أطرافك الجوهرية والشركات المرتبطة بها. فمهلة الإدراج البالغة 14 يوماً تسري من تاريخ الإعلان، والمهلة التي لم تنتبه إليها مهلة لم تملكها.

تتبّع الدفعات المقدمة لا مجرد قيدها. فإلى أين ذهبت الدفعة المقدمة أو دفعة التجهيز أهمّ من القيد المحاسبي الذي يثبت صرفها. وإذا كان المال قد خرج من المشروع الذي صُرف لأجله، فهذا سؤال يُطرح والمتلقي لا يزال يمارس نشاطه وسجلاته لا تزال في المتناول.

ملف مطالبة قائم لا يُجمَّع عند الطلب. يضم العقد، والأوامر التغييرية، والمستخلصات المعتمدة وغير المعتمدة، والمبالغ المحتجزة، والضمانات بتواريخ انتهائها، ورقماً مطابقاً يستطيع زميل الدفاع عنه دون أن يتصل بمن أعدّه. وهو الانضباط نفسه الذي جرى عليه نظام التنفيذ في شأن السندات لأمر: فالسجل إما أن يكون موجوداً حين تبدأ المدة أو لا يكون.

مراجعة الضمانات على أساس الحالة لا على أساس الحفظ. تواريخ الانتهاء، وشخص الكفيل، ومدى صمود الأداة أمام حكم المادة 20. فالضمان البنكي واجب الأداء عند الطلب يختلف في موقعه عن كفالة صادرة عن شركة مرتبطة داخل المجموعة المتعثرة ذاتها.

الخلاصة

استأثرت منازعات الإنشاءات والهندسة بنحو 47% من قضايا المركز السعودي للتحكيم التجاري لعام 2025، وهي أكبر حصة لأي قطاع، من أصل 119 قضية تحكيم تبلغ قيمتها نحو 1.09 مليار دولار أمريكي. وطلبات الإفلاس تجري بمعدل يفوق العام الماضي بوضوح، ولم يزل الضغط الذي يصفه مستشارو إعادة الهيكلة قائماً، إذ تعجز العقود ذات السعر الثابت عن استيعاب ارتفاع تكاليف العمالة والمواد والخدمات اللوجستية.

والتعرض لهذه المخاطر ليس موزعاً بالتساوي. فهو يستقر لدى المنشآت التي تعامل ملاءة الطرف الآخر بوصفها مسألة قانونية تُعالَج عند وقوعها، لا مسألة تشغيلية تُراقَب ما دام في الأمر ما يُراقَب. ونظام الإفلاس ليس معادياً للدائنين، وإنما هو مبني لدائنين منتبهين، على مواعيد تُحسب بالأيام.

تعمل ألفا أدفايزوري مع الملاك والمقاولين والمورّدين في مسائل تعثر الأطراف المتعاقدة: بناء أطر المتابعة التي تُظهر المؤشرات المبكرة، وتتبّع الدفعات المقدمة والتحويلات إلى الأطراف ذوي العلاقة قبل أن يبرد أثرها، وإعداد ملفات مطالبة تصمد أمام مواعيد ضيقة، وتمثيل الدائنين في التصويت وفيما يليه من طلبات تُرفع إلى المحكمة. وإذا تقدّم أحد أطرافكم بالطلب غداً، فالسؤال المفيد ليس ما الذي ستحتجّون به، بل ما الذي تستطيعون إثباته قبل الخميس. تحدّث إلى مختص.

جميع الرؤى